إن جانباً واحداً من الجمال يكفي لأن يجر وراءه أقواماً وأمماً وأناساًكثيرين، وإن هؤلاء الناس المنجذبين لَيمضون أعمارهم، ويفنونأجسادهم في التغني بمحاسن ذلك الجمال.
كان مكتب عنبر مدرسة تنتهي بالصف التاسع فقط، ووضع عليهاكلمة مكتب إعدادية ملكية للتفريق بينها وبين المدارس العسكرية، فقد كانت هناك المدرسة الابتدائية الرشدية العسكرية وكان مقرهافي البحصة، ومدرسة(إعدادي عسكري)وكان مقرها جامع تنكز.
مكتب عنبر مكان جميل مثله مثل أي بيت من البيوت الدمشقية القديمة، يتمتع الداخل إليه بالنظر إلى جدرانه المرصعة بزخارف عربية على طريقة تنزيل الرخام والأحجار الملونة الصغيرة التي تم رصفها بأشكال هندسية جميلة، أما الأرض فقد فرشت بالرخام المفصص؛ ما جعل المكان آية من آيات الجمال والتنسيق والذوق الرفيع، وأما الباحات فقد ملئت بالأشجار المزهرة، وهناك باحة داخلية كبيرة تتوسطها بحرة من الرخام تحيط بها عريشة.
يقع في شارع من شوارع دمشق القديمة تشابهت أرجاؤه، وتناثرت حواريه يمنة ويسرة، إذا نظرت إليه، أحسست بقدمهوعراقته، وإذا سرت فيه تنشقت عبير الحياة الرخية البسيطة، وإذا تلفتَّ في أرجائه؛ بدت لك تلك الحارات العتيقة التيتتفرع منه لتصل يساراً إلى الحديقة أو سوق الحميدية، أو يميناً إلى شارع البدوي فالسويقة... وهو شارعمدحت باشا الذي يصل بين باب الجابية، وباب الشرقي.
أصبح مكتب عنبر لعدة سنوات مقراً لمعهد التجهيز والفنون النسوية، ثم وفي عهد الرئيس المناضل حافظ الأسد أصبح بناء مكتب عنبر )قصر الثقافة الشعبية)وقامت وزارة الثقافة بمساعدة محافظةمدينة دمشق بإجراء ترميمات وإصلاحات واسعة عليه، ما أعاد لهرونقه وبهاءه، فأصبح يتباهى اليوم بحلته القشيبة وفخامته، وغدا متعة للناظرين.
أما في عهد الاحتلال الفرنسي فقد كان لمكتب عنبر الفضل الأكبرفي بث روح الوطنية في صفوف المواطنين السوريين؛ فقد كانمكتب عنبر أول من نبه إلى مأساة فلسطين، وأعلم الناس من هوبلفور... وفي العام1935م.
بعد جلاء السلطة التركية عاد الوجه العربي إلى البلاد، وأطلق علىمكتب عنبر اسم(مدرسة التجهيز ودار المعلمين)بدلاً من سلطانيمكتبي، وتم اختيار أساتذة عرب للتدريس فيه، فقاموا بإذكاء الروحالعربية وبعث التراث العربي في صفوف طلاب مكتب عنبر، ولميبق من آثار التركية في مكتب عنبر سوى كاظم آغا؛ )حارس المكتب)، ورجب آغا؛(نجار المكتب)، وشاكر آغا؛ )طباخ المكتب)..
عندما بدأ زعماء الاتحاد والترقي في استنبول بتنفيذ سياسةالتتريك؛ غدت اللغة التركية اللغة الرسمية في جميع دوائرالدولة، فأكملت الحكومة التركية صفوف المكتب إلى الصفالحادي عشر؛ فغدا ثانوية كاملةوأصبح اسمه(سلطان مكتبي(،