منازل مهجورة تتحول لفنادق 5 نجوم دمشق القديمة تجدد شبابها

منذ مئات السنين تعمل العمارة الدمشقية القديمة ببطء وثقة في الروح، يتعشق فيها الماء والنبات مع التاريخ ليصبح جزءًا من تكوينها، و تعتمد على مواد الطبيعة اللينة والحجارة الرقيقة الملونة والخشب والزجاج المعشق الذي يشرد ضوء الشمس فوق السطوح العالية التي لا تعرف إلا الاسترخاء والتواضع وجيرة العصافير، فتمتد القاعات الظليلة التي تخبئ الماضي بحنان خلف الأبواب المواربة ليغمر كل من يأتي بحثاً عنه بالعطر والضوء والحكايات..لكأن أجدادنا المعماريين كانوا أيضاً شعراء فبنوا بيوتاً تشبههم..

 لكن تعاقب الزمن الجائر و صخب الحداثة والطموح دفع بالكثير من الدمشقيين إلى خارج السور القديم ليعيشوا حياة على ذوق العصر الجديد، هذه الأسباب هي نفسها لسخرية القدر المعهودة مصحوبة برؤية وعناد فنان وقف في فسحة خاوية لبيت دمشقي عتيق وشعر أنه في بيته الأصلي ..هذا الفنان هو مصطفى علي الذي بدأ معه كل شيء و بيته المهجور أصبح مركزاً ثقافياً معروفاٌ في كل العالم وقلباٌ يبث الحياة من جديد في الأزقة المهجورة التي تشهد حالياً إعادة إعمار و ترميم، وسلسلة من الفنادق التي ألفت خطوات السياح التي لا تضيع وجذبت المشاهير والملوك ..

هناك أيضاً كانت التقنية التي رصدت بداية عودة الإهتمام الذي يأمل الجميع أن يكون مدروساً بحيث لاتضيع الروح الدمشقية الحقيقية وطابع الهوية المغرق في القدم .في بعض هذه النزل التراثية، خصوصاً في منطقة تل الحجارة بدمشق القديمة، ومع الطرف الحكومي البداية..

أمجد الرز مدير مديرية دمشق القديمة، يفضل أن يطلق اسم نزل تراثي على العقارات التي تُحول إلى فنادق في دمشق القديمة. ويقول بأن المدينة القديمة، لم يكن فيها أي نزل تراثي في الماضي، حيث كانت في السبعينات والثمانينات شبه مهجورة، تحتاج وتفتقر إلى الحياة، ويضيف أما الآن فهي مدينة تعج بالحياة من خلال النزل التراثية والمطاعم التي وإن انتشرت بشكل عشوائي في البداية، إلا أنها ساعدت بإعادة النظر بالمدينة القديمة، ويتابع: لقد بدأت مسألة تحويل العقارات إلى نزل تراثية في عام 2004، ضمن ما يسمى توظيف العقارات ضمن المدينة القديمة، ولكن ضمن شروط، وأهم هذه الشروط، هو أن يعود العقار إلى ماكان عليه قبل الترميم، أي إلى وضعه الأساسي، وكل شيء دخيل على العقار تتم إزالته، ويعلل ذلك بأن هذه البيوت هي تراث وطني أصيل، فالمهم هو إبراز طابع العمارة والفن الدمشقيان وليس إبراز الفندق كفندق، وعن دور المحافظة في مراقبة عمليات الترميم والتوثيق يجيب الرز: نحن كمحافظة نهتم كثيراً بتفاصيل العقار وبخصوصية العمارة، صحيح أن المستثمر يهمه استغلال كل سنتيمتراً من مساحة العقار وهذا حقه لاننكره عليه، ولكن يهمني جداً المحافظة على العقار من التشويه في تفاصيله وديكوره الخاص، ويضيف الرز نحن لن نسمح بالفصل الأفقي للقاعات ولا بسقف الليوان ولا بالتجاوز على الفسحة السماوية ولا بإزالة الدرج الحجري للبيت الدمشقي، وختم حديثه نحن نقبل بتحويل كل بيت مهجور إلى نزل أو ما شابه، وما أكثرها !!، ولكن بشرط المحافظة على الحياة والسكان، لا أن تحول كل البيوت إلى نزل تراثية.

الفنان النحات مصطفى علي يقول: نحن هنا كمؤسسة فنية تعمل على دعم الفنانين الشباب من مختلف أنحاء العالم، ومن المفروض أن يكون في هذه المؤسسة قسم لإقامة الضيوف، ولكن حين لايكون لدينا ضيوف نستقبل السياح وغيرهم للإقامة، ويعلل سبب اختياره هذه المنطقة أي دمشق القديمة بأنه يحب المنطقة، ولأن البيوت الدمشقية توفر المساحة للرسم، وقد كانت في السنوات السابقة منطقة شبه مهجورة أمااليوم فيقصدنا إلى هذه المؤسسة الفنية الإجتماعية أكثر من  200شخصية مهمة وفنان وسائح… ويضيف: يترواح آجار الغرفة الواحدة بين 1500 و2000 ليرة سورية، وذلك بعد أن أجرينا بعض الترميم للبيت بما لا يشوه معالمه، ويتوقع الفنان علي أن تعود الحياة للمنطقة بشكل أكبر بعد سنين الهجرة وذلك من خلال نشاطات فنية وثقافية، ويقول: إن هذا الحي (حي تل الحجارة) قد تغير اسمه إلى حي الفنانين نظراً لكثرة الفنانين الذين بدؤوا بالقدوم إلى هذا الحي تباعاً حيث يتجاوز عددهم الآن 15 فناناً تترواح مساحة مراسمهم بين 20 و30 متراً مربعاً. وحين سألناه عن سعر الشراء للمتر المربع أجاب أن المنطقة لاتخضع لقوانين البيع لأن كل بيت يباع بطريقة تخضع للمشتري والبائع وحسب ما يطلب البائع ويقبل المشتري فلا يمكن تحديد سعر موحد للمتر المربع.

وإذا كان مصطفى علي أول من بدأ بالمبادرة بمرسم ثم تحول إلى فندق ومرسم ومركز ثقافي ومقصد للسياح، فإن أول من أنشأ فندقاً في تل الحجارة هو فايز ميداني مدير عام فندق تلسمان حيث يقول لقد بدأت الفكرة في عام 2004 وأصبحت حقيقة عام 2006 ثم تبعنا بيت المملوكة، وعن سبب إقامة هذه الفنادق في هذه المنطقة، يجيب ميداني: السياح القادمين إلى سوريا من أوربا يريدون اكتشاف هذه الأماكن والإبتعاد قدر الإمكان عن الحداثة والتطور الموجودة في أوربا. وعن سبب انتشار هذه الظاهرة يعلق ميداني أن القطاع الخاص والعام قد لاحظ أن مستوى الزبائن التي تقصد هذه الفنادق عالي جداً إن كان من السياح أو الشخصيات المعروفة والملوك كالملكة صوفيا ملكة اسبانية، ويتابع لو أن هذه الظاهرة لم تكن إيجابية وأعطت صدىً طيباً حول العالم لما كتبت وسائل الاعلام العالمية عنها بأنها أجمل ما شاهدوه في دمشق، ويضيف بأن فندقهم يحتوي أثاث يعود إلى مئة عام، وبعضها خمسين عام كالأسرّة والكراسي وغيرها..

 وعن كيفية تأهيل البيت يقول ميداني: البيت رمّم بالاستناد إلى وئائق وسجلات محافظة دمشق وصور التقطها الناس في الماضي إضافة إلى شخصيات لها علاقة بالبيت، وتذكر تاريخ البيت، وهناك بعض الإضافات البسيطة كتغيير مرافق الحمامات وإضافة عناصر التكنولوجيا والحياة العصرية كالمكيف والتلفاز والإنترنت وغيرها، وعن عدد الفنادق الحالية في المدينة القديمة، يتوقع ميداني بأن العدد لا يتجاوز 14 فندقاً، ولكنها ليست ذات طاقات استيعابية كبيرة لذلك فالمدينة بحاجة إلى الكثير منها، ويقول  نحن في تلسمان لدينا 17 غرفة مفردة و15 غرفة مزدوجة. ومتوسط آجار الغرفة يبلغ 225 دولاراً، ويقترح ميداني أن يكون للمدينة القديمة محافظاً أو مسوؤلاً بصلاحيات المحافظ. ويوجه رسالة للمستثمرين بالاستثمار في المدينة القديمة لأنها ماتزال أرضاَ بكراً في الاستثمار، ويركز على فكرة المعقول في ذلك بحيث أن يكون عدد الفنادق منطقياً لا أن تتحول كل المنازل إلى فنادق ويغيب الناس عن المنطقة، وعن سعرمتر الشراء يقول ميداني كما قال غيره، بأنه لا سعر موحد بل هناك بائع يطلب ومشتري يقتنع.

حكم الركبي مصمم ومدير مشروع قصر الباشا، وهو الآن قيد الترميم، روى لنا حكاية تحويل هذه البيوت إلى فنادق: وقال بأنها حلبية المنشأ، وأضاف: بأن أول فندق في دمشق القديمة يعود لمايا معمار باشي ويسمى بالمملوكة. ويضيف بأن هذه الأفكار بدأت بالطرح قبل عشر سنوات بعدما لاقت نجاحاً مهماً في حلب. ويتابع الركبي الذي يعتبر نفسه روح هذا المشروع بأن الطابع الدمشقي الأصيل سيبقى في المشروع دون أي تغيير من خلال الرجوع إلى وثائق البيت المراد تحويله إلى فندق وصور قديمة له لإجراء عمليات الترميم. ويرى الركبي أن المنطقة قد تغيرت كثيراً والفضل يعود للفنان مصطفى علي الذي حول البيت الذي اشتراه إلى مرسم اجتماعي وخدمي وثقافي وهو بمبادرته شجع أصدقائه الفنانين بالقدوم إلى دمشق القديمة لبث الحياة فيها.

شروط تحويل العقار إلى نزل تراثي – فندق  في دمشق القديمة

يجب ألا تقل مساحة الفتحة السماوية للمنزل عن 25 متر مربع كحد أدنى.
يجب أن يحتوي النزل على 12 سرير أو 6غرف كحد أدنى ولا يوجد حد أعلى لعدد الغرف أو الأسرة.
يجب أن يحتوي النزل على غرفة إدارة وغرفة إفطار وغرفة استعلامات.
يجب عدم إقامة مطعم ضمن العقار المحول إلى نزل تراثي (فندق).
يجب عدم إقامة حفلات وموسيقى صاخبة واحترام الجيران.
يجب عدم الإساءة إلى العقار ولا بأي شكل من الأشكال.

 

أرقام في دمشق القديمة (المدينة القديمة)
60  ترخيص في أرشيف الجهات المختصة لتحويل عقارات إلى نزل تراثية (فنادق).
1500 عدد الأسرّة في النزل التراثية المرخصة.
2015 العام المتوقع لإيقاف منح التراخيص لتحويل عقارات إلى نزل تراثية.
5000 سرير الحد الأعلى الذي تحتاجه المدينة، ولا يتم منح التراخيص بعد الوصول إلى هذا الرقم.
16 مرسم قام فنانون بتحويلها من عقارات مهجورة إلى مراسم فنية، وأولهم النحات الفنان مصطفى علي.

عمار عز

شاركنا رأيك