إعداد الباحث التاريخي عماد الأرمشي

وقد ورد ذكر المدرسة الشاذبكلية في العديد من المؤلفات التاريخية تحت مسمى مدرسة شاذ بك بقرية القنوات، وحُرفت التسمية بالعامية الشامية كما يلفظها أهل الشام من العوام إلى (المدرسة الشابكلية).

وقد اختلفت تسمياتها مثل :

المدرسة الشاذبكلية نسبة إلى منشئها الأمير سيف الدين شاذي بك، وهذا هو الصحيح (الشاذبكلية)
مدرسة شاذي بك طبعاً لنفس التسمية أعلاه.
جامع الشابكلية: وهو تحريف لفظي على ألسنة العوام من أهل الشام لكلمة الشاذبكلية.

وقد تم تجديد بناء المدرسة في عهد السلطان العثماني محمود الثاني عام 1232 للهجرة الموافق 1816 للميلاد أيام ولاية الوالي علي باشا، والذي أشرف على هذا التجديد ومن ماله الخاص المرحوم الحاج أحمد الموره لي. ثم زال بعد التجديد… أثر المدرسة وغرفة الدرس، وصارت مسجداً يعرف بمسجد الشابكلية.

كما جرى تجديد البناء مرة أخرى عام 1407 للهجرة الموافق 1986، ثم تم ترميم البناء بشكل جميل وكشف ما حوله من الأبنية العشوائية، وإعادة افتتاح مسجد الشاذبكية في بدايات القرن الحادي والعشرين.

ومرجعاً إلى مخطط المدرسة الشاذبكية نرى أن الواجهة الشرقية تنحرف مع انحراف زاوية حارة الإذاعة الواصلة بين شارع النصر، وبين شارع فخري البارودي، وتفقد بالتالي تناظرها حسب استقامة شوارع الشام.

في حين أن الجانب الأيمن للمدرسة أصم لا يوجد به أي زخارف، نجد أن الجانب الأيسر يزخر بثلاثة محاريب تزينية تخترقها النوافذ، تشبه مقرنصات المحاريب التزينية مقرنصات المدرسة الجقمقية وخانقاه النحاسين، لقد أضيفت قبة صغيرة في القسم الشرقي من البناء.

المدرسة تعتبر من مدارس العهد المملوكي المتأخر في الشام، وفيها من الأصالة في التصميم والفن والزخرفة ما يجعلها نموذجاً لفنون ذاك العصر في العمارة والزخرفة وجاءت في غاية الحسن، ومخطط تصميم المدرسة، مبتكر بالإضافة الى الجمال والإتقان في البناء وخاصة في بناء المقرنصات، وفي حجارة الواجهات، والأشرطة الكتابية، والحليات المعمارية، والعناصر الزخرفية التي استخدمت في كسوة الجدران.

أقول هنا وبعد زيارتي الميدانية للمدرسة في نهاية عام 2007، أن البوابة الرئيسية للمدرسة الشاذبكية غنية بالمقرنصات المتناظرة هندسياً بشكل بديع، وبوجود حنايا ومحاريب غائرة، ذات زخارف جميلة، ومتوجة بالطاسة الشعاعية الأبلقية من الحجارة البيضاء والسوداء والمزية اللون، يعلوها قوس مجدول مزخرف ويستند على دائرتبن في كلا الجانبين ومتوج بدائرة عليا كما هو تاج العروس.

وتبدو بالصورة واجهة بناء بوابة المدرسة قبل الترميم في منتصف ثمانينات القرن العشرين ويظهر شكل البوابة المعقودة بالمقرنصات الغنية بالدلايات، وفوقها طاسة ملساء زخرفية، وتحت المقرنصات اللوح الحجري المؤرخ للمدرسة، وفي الأسفل يوجد مدماك من المدكك الأبلقي الجميل من الحجارة السوداء والمزية اللون يرتكز إلى ساكف الباب، وعلى طرفي البوابة حشوتان شمسيتان مستديرتان، واليسرى منهما مشتركة بين البوابة الرئيسية والبوابة الثانية الأقصر طولاً في جنوب بناء المدرسة.

 

 

وهذه الواجهة هي الواجهة الشرقية والمعقودة بقوس ثلاثي الحنيات، وفي الواجهة نفسها ثلاث حشوات مستديرة مدككة التركيب تحتها شريط يمتد عبر الواجهة الجنوبية وفي كل بوابة لوح حجري منقوش بالكتابات المؤرخة لبناء المدرسة.

البوابة الرئيسية للمدرسة الشاذبكية وتبدو فيها المقرنصات المتناظرة هندسياً بشكل بديع، وبوجود حنايا ومحاريب غائرة، ذات زخارف جميلة ومتوجة بالطاسة الشعاعية الأبلقية من الحجارة البيضاء والسوداء والمزية اللون، يعلوها قوس مجدول مزخرف ويستند على دائرتبن في كلا الجانبين ومتوج بدائرة عليا كما هو تاج العروس.

والبناء ككل… كما شاهدته أثناء زيارتي الميدانية للمدرسة مؤلف من طابقين، الطابق السفلي أصيل.. مبني في العهد المملوكي، وهو أصل بناء المدرسة التي عمرها الأمير المملوكي سيف الدين شاذي بك والمؤلفة من الحجارة الأبلقية ذات اللونين المتناوبين الأبيض والأسود.وفيها البوابة متقنة البناء، عالية فيها الزخارف المقرنصة.

أما الطابق العلوي: فأظن.. أنه لا علاقة له مطلقا ببناء المدرسة..!! ولا أدري من الذي بناه ؟؟؟.

لأننا لم نشاهد في دمشق أبنية مملوكية وفوقها أبنية ثانية بهذا الشكل !!، وعليه فإن هذا البيت الموجود فوق المدرسة مبني دخيل، وشٌـيد في العهد العثماني لأن شكل نوافذه وطراز بنائه… يشيران إلى ذلك كما هي معظم العمائر التي انتشرت في العهد العثماني بدمشق وخاصة إبان ولاية الوالي العثماني علي باشا عام 1232 للهجرة الموافق 1816 للميلاد.كما أنه لا ينسجم بحال من الأحوال لا مع جمالية المبنى ولا مع الطراز المعماري لهذه المشيدة المملوكية.

الواجهة الجنوبية للمدرسة كانت تتميز بثلاث نوافذ منخفضة حتى مستوى الشارع، وفوقها مدماك من الحجارة المدككة الأبلقية الجميلة والمؤلفة من الحجارة السوداء والمزية اللون والمستمرة من الواجهة الشرقية إلى الواجهة الغربية وبنفس الارتفاع.

هذا بالنسبة للطابق السفلي المملوكي، أما الطابق العلوي العثماني فهو استمرار للبناء العثماني كما ذكرنا آنفا، ويؤطر البناء في أعلاه صف من الحنايا الضحلة المسطحة، وترتفع فوق الزاوية الجنوبية الغربية قبة مملوكية الطراز تقبع في الجهة الغربية الشمالية من المدرسة.

تقوم فوق الزاوية الجنوبية الغربية من بناء المدرسة (قبة المدرسة الشاذبكلية)، وتم إزاحتها إلى أقصى جنوب وغرب المدرسة وهي قبة ملساء مدببة تستند الى رقبة مضلعة بطبقتين، الطبقة العلوية ذات ستة عشر ضلعاً تفتح فيها ست عشرة نافذة مقوسة ومدببة، أما الطبقة السفلية فذات ثمان أضلاع، أربعة منها ملساء وأربعة مزخرفة بنوافذ توأم مقوسة ومدببة ومرتفعة التصميم.

كما يوجد في الواجهة الشرقية نفسها محراب سبيل المدرسة (السقاية) كانت تتغذى من نهر القنوات، ويشبه الى حد كبير شكل البوابة الرئيسية وهي بوابة صغيرة معقودة بقوس مدببة متجاوزة ثلاثية الحنيات كما هو ظاهر في الصورة.

وفيها لوحة حجرية منقوشة بالكتابات المؤرخة للسبيل وراعي السبيل، وفي أسفلها أيضا مدماك من الحجارة المدككة الأبلقية الجميلة من الحجارة السوداء والمزية اللون، وعلى طرفيها حشوتان مستديرتان شمسيتان، اليمنى منها مشتركة بينها وبين البوابة الرئيسة للمدرسة.

ولقد أصبحت المدرسة بعد بنائها فناً معمارياً يُحتذى به، هذا ما جعل المهندسين يستمدون منها عناصر عديدة في عمارة الترب والبيوت العربية التي شاع بنائها في مدينة دمشق بتلك الآونة.

وهذا ما أكد عليه مؤرخ الشام عبد العزيز العظمة رحمه الله تعالى في كتابه مرآة الشام وتاريخ دمشق في سياق حديثه عن القاعات السبع في دمشق.. فذكرها على أنها قاعة مسجد الشابكلية وليس المدرسة الشاذبكلية حين قال :

 

القاعات السبع في الشام سبعة مساجد مشيدة على طراز القاعات، لها برك وأحواض وجلسة ونفقة، وتعرف بالقاعات السبع وهي: الشابكلية في القنوات، والمغيربية بالدرويشية، والنيروزي في باب سريجة، والخانقية في الميدان، والجقمقية في العمارة، والدغمشية في سوق الخيل، والخضيرية في الشاغور، وأجملها شكلا وبناء هي الجقمقية.

لم يبق من آثار البناء المملوكي إلا الإيوان والبركة.. والباقية جددت في العصر العثماني، ويدخل من الباب إلى قاعة كبيرة فيها بركة مربعة.

في الغرب غرفة واسعة كبيرة، ولها شباكان وبابان إلى القاعة، فيها ثلاثة أضرحة، الأول منها من جهة جنوب الغرفة : هو ضريح نائب السلطنة (الأمير جلبان المؤيدي) والمتوفى عام 859 للهجرة الموافق 1455 للميلاد.ثم يليه شمالاً ضريح (الأمير يوسف بن شاذي بك) والمتوفى عام 881 للهجرة الموافق 1455 للميلاد، ثم يليه شمالاً ضريح (الأمير شاذي بك) والمتوفى عام 887 للهجرة الموافق 1482 للميلاد.

وقد كتب على الشباك الشمالي:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

وعلى الشباك الجنوبي أبيات شعر.

في شمال بناء المدرسة وفي الجنوب: إيوانان عظيمان، فالشمالي له سقف خشبي بديع على النمط العثماني، وحائط هذا الإيوان من الحجر الجميل، والجنوبي فيه المحراب والمنبر القديمان، ولكنهما مشوهان بالدهان، أيام تجديد المسجد سنة 1232 بعناية السيد أحمد الموره لي، والى جانبي المحراب والمنبر شباكان إلى الطريق….

شاركنا رأيك