• Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Auto width resolution
  • Increase font size
  • Decrease font size
  • Default font size
  • default color
  • red color
  • green color

دمشق القديمة

Sunday
Sep 05th
الصفحة الرئيسية arrow مقالات arrow الأحجار الأثرية في دمشق القديمة من منظورين
الأحجار الأثرية في دمشق القديمة من منظورين PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
(votes 0)

عندما وصلني هاتف رئيس التحرير يوم الأربعاء في السابع عشر من أيلول الحالي طالباً مني أن أترك كل شيء، وأتوجه إلى دمشق القديمة فوراً للتحري عمَّا يجري هناك، تبادرت إلى ذهني فوراً أن عمليات هدم قد طالت جزءاً أثرياً من عاصمتنا، أو حياً ذا صبغة تاريخية، أو معلماً ثقافياً لا ينبغي أن يطوله معول الهدم.

اتصلت بالمواطن المشتكي هاتفياً، فطلب مني أن أسرع كي أرى بعينيَّ الأحجار وهي تـُنقل، ولم أفلح بالحصول منه إلا على اسم المنطقة التي يجري فيها الحدث: إنها الجهة الشمالية من الجامع الأموي، وتحديداً الكلاسة.

لا أكتم القارئ أن الدم صعد إلى رأسي، وتساءلت هل وصل الأمر بالبعض إلى التطاول على الأموي وجواره؟ وأسرعت خُطاي.

عند مدخل قلعة دمشق شاهدت شاحنتين تحملان قطعاً كبيرة من أعمدة منحوتة، بعضها مزخرف وعليه تيجان، فاستوقفت الشاحنة الأمامية، وسألت السائق:

- إلى أين أنتم ذاهبون بأحجار الأعمدة هذه؟

فأجابني مبتسماً:

- إلى مكان أرقى وأكثر أهمية؟

سألته مجدداً:

- وأين هو هذا المكان الأرقى والأكثر أهمية؟

فردَّ بطريقة شبه ساخرة:

- باب توما.

تابع ضغط الدم ارتفاعه في رأسي بينما كنت أسير إلى جوار القلعة، متجهاً نحو الكلاسة، راسماً في ذهني سيناريوهات ساخنة للتحقيق الذي سأجريه، وشاهدت بعض الزملاء من مصوري الإعلام المرئي يغذون السير في الاتجاه المعاكس. إذن، فالنور تأخرت، وهي ليست الأولى التي يصلها الخبر الحدث، الذي ستتحرى عنه.

مع الشباب الآثاريين

وصلت إلى زاوية الأموي الشمالية المعروفة بالكلاسة، وسألت بعض الواقفين عن مكان وجود الحجارة التي تـُنقل، فأشاروا إلى المدرسة الجقمقية حيث يوجد قبر صلاح الدين، فتوجهت إلى هناك، وشاهدت أجزاء من أعمدة وأحجار منحوتة لم يسبق لي أن رأيتها هناك إطلاقاً، وكانت تمتد على نحو مبعثر إلى جانب سور المدرسة، لتشغل جزءاً لا يُستهان به من عرض الشارع الضيق أصلاً، وكان قسم منها يقبع على أرض تغمرها مياه آسنة، في حين كانت مجموعة مؤلفة من أربعة شباب تقف عند قسم آخر منها، وكأنهم يحرسونها.

اقتربت منهم، وبادرتهم بالسؤال عمَّا إذا كانت هذه الأحجار الأثرية هي التي تنقل، فكان ردهم بالإيجاب، وسألتهم من الذي ينقلها؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وما الذي جاء بهذه الأحجار إلى هنا؟ فكان ردهم أن طلبوا مني التعريف بنفسي، ففعلت، وأخبرتهم بصفتي والصحيفة التي أعمل لها، وأبلغتهم أنني مكلف بالتحقيق في هذا الموضوع.

تأكد الشباب من هويتي، ثم اعتذروا لأنهم غير مخوَّلين إعطاء معلومات، واشتكوا من تطاول أحد العاملين في مؤسسة إعلامية رسمية عليهم تطاولاً مقذعاً ومهيناً، وأبلغوني أنهم اضطروا آسفين إلى تنظيم ضبط وشكوى لدى مخفر المنطقة بهذا الأمر، فهُم مختصو آثار يعملون في جهة رسمية مهمتها الحفاظ على آثار دمشق القديمة، كما أنهم على رأس عملهم، وطلبوا مني مقابلة رئيس دائرتهم للحصول على كل التوضيحات والمعلومات المطلوبة.

في المبنى البيمارستاني

(متحف الطب والعلوم عند العرب)

يممت وجهي صوب دائرة آثار دمشق القديمة الموجودة في الحريقة، مروراً بسوق الحميدية، بعد أن كنت قد عاينت الساحة المواجهة للأموي من الغرب، التي وجدتها خلواً من بقايا أعمدة كانت مبعثرة فيها قبل رصفها بالحجارة وتجميلها والبدء بتنفيذ مشروع صوت وضوء.

صعدت إلى الطبقة الثانية من المبنى، حيث يوجد رئيس الدائرة، الدكتور غزوان ياغي، وعرَّفته بنفسي والغرض من مجيئي، فأبدى استياءه من الإعلاميين الذين تعرضوا لعناصر دائرته بالسوء، وبعد أن هدأت ثائرته وتأكد من شخصيتي، وأن لا علاقة لي بمن أفسد للود قضية، فتح قلبه، وغمرني بفيض من معلومات عن المشاريع التي تنفذها مديرية آثار دمشق، فما الذي قاله؟

جهد آثاري يستحق التقدير

كي يكتمل مشروع إعادة تأهيل شارع (مدحت باشا) اكتمالاً نهائياً، ولإظهار الأهمية الأثرية للشارع الممتد من باب الجابية حتى باب شرقي (الشارع المستقيم)، بوصفه من أقدم شوارع المدينة القديمة، فقد اقترحت دائرة آثار دمشق القديمة ثلاثة مشاريع هي:

أولاً- مشروع إعادة تأهيل بعض الأحجار الأثرية المكتشفة ضمن مشروع مدحت باشا (حديقة القشلة)، واتـُفق على تنفيذه بالتنسيق بين دائرة آثار دمشق ومشروع تطوير الإدارة البلدية (مام) ومحافظة دمشق.

ثانياً- مشروع إعادة تأهيل الأحجار المكتشفة ضمن المنطقة الممتدة من قوس الخراب قرب المريمية حتى القشلة، وسيجري التنفيذ بالتعاون بين دائرة آثار دمشق ومحافظة دمشق.

ثالثاً- نقل الأحجار الأثرية الموضوعة في الجهة الشمالية من الجامع الأموي بملاصقة المدرسة الجقمقية وإعادة تأهيلها، وهي أحجار من بقايا المدرسة العزيزية، إضافة إلى أحجار عديدة نـُقلت من شوارع وعقارات متفرقة داخل المدينة، لأن هذه الأحجار المتكدسة تتعرض إلى عدة أخطار أهمها:

- أنها مجموعة بعضها فوق البعض الآخر بأسلوب غير علمي وغير لائق.

- يتكسر بعضها نتيجة وجودها داخل الطريق وتعرضها لاصطدام العديد من السيارات العابرة بها.

- توجد هذه الأحجار داخل منطقة منحدرة تشكل مصرفاً للمياه الناتجة عن أعمال التنظيف ومشروع الصوت والضوء الذي تنفذه (مام) ومحافظة دمشق في الجهة الشمالية من الجامع الأموي.

- تجمعت تحت هذه الأحجار أعداد من الحيوانات الشاردة والزاحفة.

واقترحت دائرة آثار دمشق الاستفادة من هذه الأحجار بعرضها داخل الحدائق الملحوظة في مشروع تأهيل شارع مدحت باشا وتطويره في المنطقة الممتدة بين حديقة القشلة وباب شرقي.

وللعلم، فإن كل هذا العمل يجري بناء على قرارات لجنة حماية دمشق القديمة الصادرة في 18 آب 2008، واستناداً إلى الأمر الإداري رقم 369 بتاريخ 25 آب 2008 الصادر عن المدير العام للآثار والمتاحف.

وكانت اللجنة قد أوصت بالموافقة على نقل الأحجار تحت إشراف دائرة آثار دمشق، وهو ما يجري تنفيذه منذ 16 أيلول بوجود أربعة عناصر من الدائرة بالتعاون مع مديرية المدينة القديمة، التي كلـَّفت الشركة المنفذة لأعمال مشروع مدحت باشا بالتنفيذ.

وقد قدَّمت دائرة آثار دمشق مشاريع متكاملة تتضمن الكشوف التقديرية للأعمال المطلوبة، والشروط، والمواصفات الفنية لكل مرحلة من مراحل الأعمال المذكورة في المشاريع الثلاثة، إضافة إلى التنسيق مع الجهات المنسقة للالتزام بالمعايير العلمية الدقيقة، وبما يضمن سلامة نقل القطع، واختيار مكان عرضها بالتشاور مع لجان المتابعة، وضمان حسن تثبيتها على قواعد مناسبة ذات مواصفات دقيقة تضمن ثبات الأحجار وعدم تعرضها للمياه والأملاح الناتجة عن التربة أو الجو.

مسك الختام

لا أكتم القارئ أنني شعرت بالراحة بعد عناء في متابعة هذا الأمر، لسببين:

أولهما- أنني أحسست وبالملموس أن آثار دمشق القديمة في أيد أمينة.

ثانيهما- لأنني لم أكتف بمشاهداتي فقط ولا بأقوال المواطن المشتكي، الذي لا أظنه قد اشتكى للنور ولغيرها إلا من باب الغيرة على أوابد دمشق - عاصمة الشرق العربي، وحماسته المفرطة للحفاظ عليها، فلو اكتفيت لكنت قد جانبت كبد الحقيقة لدى كتابتي هذا التحقيق، وهذا ما لم أفعله لحسن الحظ.

خالد نعمة

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
quote
bold
italicize
underline
strike
url
image
quote
quote

busy