سوق القباقبية

515

يمتاز هذا السوق بسقفه المعقود بالحجارة، أما تسميته فمشتقة من صناع القباقيب، والقبقاب عبارة عن حذاء من الخشب ينتعل بالقدم بواسطة سير من الجلد يثبت بالمسامير. والقباقيب أنواع منها (قبقاب المهاجرين) نسبة إلى المهاجرين الشراكسة، وقبقاب الشبراوي وهو أقصر من السابق. وقد يطعم القبقاب بالصدف أو يلون سيره بألوان مختلفة. والقبقاب يعتبره بعض الرجال من الأسلحة الفتاكة بيد الزوجات.

كان المتسوقون إذا ما فرغوا من سوق الحميدية، وصلوا إلى سوق صغير اسمه(سوق المسكية)، حتى إذا ما تركوا سوق المسكية وانحرفوا نحو اليمين، دلفوا إلى سوق آخر صغير يمتد على الجدار الجنوبي للجامع الأموي…. وقد كان السير في هذا السوق أشبه بالدخول اليوم إلى ناد للموسيقا تطربك فيه الألحان العذبة والنغمات الشهية؛ لكنها لم تكن ألحاناً صادرة عن آلات فخمة، وإنما هي ألحان قرعٍ على الخشب تصدرها سواعد رجال أتقنوا عملهم وبرعوا فيه؛ فضاهت بضاعتهم البضاعات الأخرى وتفوقت عليها… إنه سوق القباقبية… ‏

 

ظل سوق القباقبية حتى نهاية الربع الثالث من القرن الماضي محط الأنظار؛ ويكاد لايخلو من سائح أتى ليتأمل روائع الصناعة اليدوية الدقيقة والأنيقة، أو زائر من أبناء المدينة يريد أن يقتني أواني ومستلزمات للبيت لأن الإنسان فيما مضى كان أكثر تعاطفاً مع حنوّ الخشب منه مع صلابة الحديد… ‏

 

يعود إنشاء سوق القباقبية إلى العهد المملوكي، وقد أقيم«شمالي الجامع الأموي داخل باب الفراديس»(1)ويمتد سوق القباقبية على صفي الجدار الجنوبي للجامع الأموي واصلاً حتى بداية مقهى النوفرة، وقد غطى السوق جدار الجامع الأموي، وفي بداية الثمانينيات من القرن الماضي تمت إزالة النسق الشمالي من الحوانيت الملاصقة لجدار الجامع ليكشف الجدار الهام الأثري ووقاية له من الحريق المحتمل. ‏

 

وقد جاء في كتاب(الروضة الغناء في دمشق الفيحاء)القول:«بهذا السوق يعملون القباقيب والصناديق والصواني الجميلة المطعمة بالصدف، وهذه السوق تمتاز عن غيرها بكون سقفها معقوداً(بالحجارة)، وهذا الوصف يعني استمرار السوق في العهد العثماني أولاً، ثم وقوعه في موضعه الحالي الذي كان مسقوفاً بعقود من الحجارة ثانياً. أما تسميته فمشتقة من «صناع القباقيب»(2) والقبقاب حذاء خشبي يستخدم في البيت لاسيما في الحمام والمطبخ وله قطعة جلدية تسمى(سير)تثبت على مقدمة القبقاب بمسامير عرفت باسم مسامير قباقبية، وقد يطعم القبقاب بالصدف ويلون سيره بألوان عديدة، وعرفت أنواع كثيرة منها: القبقاب الشبراوي الذي يرتفع عن الأرض أكثر من غيره، وهو قبقاب نسائي استخدمته المرأة الدمشقية، وكان خشبه مصدفاً وسيره مطرزاً بخيوط القصب أو الفضة أو الذهب، وهناك قبقاب(نصف الكرسي)وهو أقصر من الأول، و(قبقاب المهاجرين)الذي كان يصنعه المهاجرون الشراكسة، وهو أكثر أنواع القباقيب انتشاراً. ‏

 

وهذا السوق سوق القباقبية لا كما يفهم من اسمه مختص بصناعة القباقيب الخشبية فقط، بل إنه يصنع معظم أدوات المطبخ الخشبية الصغيرة؛ مثل: مدقة الكبة (شوبك)لرق العجين هاون الثوم مدقة الحمّص والباذنجان المشوي ملاعق التحريك الخشبية الكبيرة (الكفكير)الخشبي علاّقات الصحون المنخل قوالب الحلويات المنزلية… كما يرفد هذا السوق المطبخ بأدوات خشبية كبيرة؛ إذ يقوم بصنع(النمالي)التي كان الطعام يحفظ بها وقاية له من الحشرات، كما كان سوق القباقبية يمد بقية غرف البيت بمنتجاته، فيقدم الناموسية وكراسي الحمام الخشبية، وكراسي القش بأنواعها.. ‏

 

وكانت تلك الصناعات المتينة والجميلة تدخل إلى كل بيت مهما بعد مكانه عن السوق، أما اليوم فقد غزت البيوت أدوات حديثة جعلت الناس ينسون ذلك السوق وأدواته، و قد تكون الأدوات الحديثة تقدم إنتاجاً متميزاً يتطلب وقتاً وجهداً أبسط، لكنها لن تقدم بضاعة أمتن، أو أداة أجمل؛ فضلاً عن أن استخدام الأدوات الخشبية القديمة التي كانت تحتاج جهداً عضلياً يقي من الوقوع في براثن كثير من الأمراض، فوائد عديدة كنا نغنمها من جراء استخدامنا لأدوات ذلك السوق الخشبية، ومضار كبيرة نعرض أنفسنا إليها من لجوئنا اليوم إلى تلك الأدوات الكهربائية الحديثة(المريحة)… ‏

المشاركة