دمشق بين الزمان والمكان

446

عشت في دمشق القديمة سنوات طويلة سمحت لي بالتعرف على تفاصيل معالمها وعمارتها وأزقتها وبيوتها الحميمية، كما ساهمت مساهمة فعالة وحيوية لمدة سبع سنوات بترميم وإصلاح جامعها الأموي الكبير وشاركت في عمليات الرفع الهندسي مع بعثة أثرية ألمانية لسورها العريق وقلعتها العظيمة، وترميم «البيمارستان النوري» وغيرها من المعالم الكثيرة، ما يسمح لي بالقول بثقة إن هذه المدينة الخالدة كانت عبر تاريخها العريق، وفية لحاجات ومستجدات انسانها، وقادرة على التعامل مع البيئة والعالم والآخرين، وكان لكل حالة عمرانية فيها فلسفتها ورؤيتها وأنساق تعبيرها المميزة والمشيرة إلى تأثيرات الزمان والمكان.
تميزت دمشق القديمة بمركز «أكروبول» «كابيتول» وسط سوق تجارين ومرافق ملحقة به للأغراض الاجتماعية والدينية، ثم دوائر حول السوق أو مربعات سكنية يأتي وراءها السور وبواباته التسع التي اختصرت إلى سبع، والذي تعرض لحوادث جسام عبر التاريخ، ما غير معالمه ووظيفته فانتشرت المدينة خارجه، ليس للسكن فحسب، بل للتعامل التجاري والمرافق الاجتماعية الأخرى،  وشمل ذلك الامتداد الأحياء الشهيرة والضواحي ثم تجاوزها إلى بلدات ونواح أخرى، ما شكل اليوم ما يعرف بدمشق وريفها المرتبط بغوطتها وتطورها العمراني والاقتصادي والاجتماعي وما يتصل بذلك من موروث ثقافي وعادات وتقاليد وأعراف وأنماط معيشية معروفة ومميزة بعراقتها وأصالتها.
في البحث عن التاريخ  والحضارة  والإرث العمراني والاجتماعي، دائماً كان السؤال يتحرك في داخلي: هل المدينة كائن ماضوي أم تاريخي؟! هل هي في الحراك الاجتماعي للناس؟ أم في إنشاءاتهم ومدنهم وأريافهم وغيرها من أشكال سكناهم؟ كيف نفهم الموروث الثقافي للإنسان؟ لمن قصب السبق والأولوية في هذا المجال؟ أهي للموروث العمراني الذي يشي بجمالية معمارية قديمة تشهد على نمط معيشة؟ أم هي للموروث الثقافي اللغوي المتمثل بأنساق تعبيرية ثقافية ولغوية؟ أم هي للجماعة التي بنت هذا الموروث في أحضانها وارتبط ببيئاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية المتنوعة.
لقد وجدت أن مدينة دمشق وخلال تاريخها الطويل والمستمر من دون انقطاع، ما جعلها أقدم مدينة مأهولة في العالم، لم تكن في عصر من العصور التي مرت عليها رهينة الموروث العمراني والثقافي بمفهومه الحرفي الجامد، وبنظرته السكونية الأحادية.
لقد لعبت «ديناميكية» إنسانها وصيروته الدائمة دورها الكبير في حيوية هذه المدينة واستمرارها متجددة، مشرقة، التاريخ فيها يبقى ويستمر من خلال مفاهيم المتابعة والسيرورة والوظيفية، ومن يدرس هذا الموروث بكل أبعاده وتطوراته وحيويته، يكتشف مدى قابليته للتطور وللحياة، فذهنية أهل دمشق، وسورية بشكل عام عُرفت على الدوام بالانفتاح والطوعية والقابلية لاستيعاب كل وافد جديد، ناهيك عن قدرتها على اقتصاص التجارب شديدة التغير والتنوع مع احتفاظها بموروثها الحضاري والفني والثقافي الأصيل، الذي لم يتخذ في يوم من الأيام للتفاخر والزينة، بل كان دائماً عملياً حيوياً يتم ضمن أولويات تحفظ ما هو قابل للحياة والاستيعاب والتطور، وتسقط ما تداعى وذهب بذهاب وظيفته وفائدته المرتجاة، واتصال الناس، غير المشوش، بتراث هذه المدينة العريقة، أتاح لهم العيش في إطاره بكل استمرارية وحيوية. لقد صهرت مدينة دمشق مكونات التراث عبر العصور، وكانت البوتقة الحامية له، والحاضنة لأصيله، لقد عرفته من شوائبه وأبقت على الصالح منه، لذلك قام التراث الدمشقي بتأسيس علاقة انتماء لدى أهلها بالمكان والزمان، وبكل أسف، شبابها اليوم، لا يعيش هذه الحالة، لأنه ولد في أحياء جديدة بعيدة عما ذكرناه، ما حجب عنه حالة الانتماء الحقيقي لتراث هذه المدينة، وأصبح يرى ثراءه بعيون وسائل الاعلام المرئية فقط، وليس بموروث أجداده وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم وثقافتهم، أصبح يرى تراث مدينته من خلال مسلسل «باب الحارة» ومسلسل «زمن البرغوت» وما نسج على منوالهما من أعمال شكلت إعادة اتصال مشوهة بالموروث الحضاري والثقافي والاجتماعي لأهل الشام.. أنا لا أبكي على ما فات.. ولا أقول أن نظل أسرى للماضي، إن عمران مدينة دمشق القديمة مرادف لغدها، لذلك ينبغي علينا أن نعزز دورها الحقيقي الثقافي والاجتماعي، ولا نحولها إلى مطاعم ومقاه، وأن نربطها بالوظيفة والروح ضمن وعي شمولي بعيد عن نظرية «الجزر التراثية» حتى لا تبدو دمشق القديمة عدواً لدمشق الجديدة، وحتى لا ينقطع التواصل بين الزمان والمكان..

المشاركة