المكتبة الظاهرية

758

تقع المدرسة الظاهرية في حي العمارة في دمشق القديمة، قبالة المدرسة العدلية الكبرى، بين بابي الفرج والفراديس وكان يطلق عليها سابقاً باب البريد، ويلاصقها حمام الظاهر بيبرس، حيث شيدها السعيد ابن الملك الظاهر بيبرس سنة 678 هجرية الموافق لـ 1276 ميلادية, – منذ 743 سنة- إلى أن نقل جثمان الظاهر وولده السعيد من القلعة إليها، ولذلك فإن أغلب المباني التي شيدها الأيوبيون والمماليك وأمرائهم تضم مقابرهم، فالعدلية تضم قبر الملك العادل، والعزيزية تضم قبر صلاح الدين الأيوبي.

وفي وصف بناء المكتبة وأقسامها إلى أنه حينما تهم بالدخول إلى الظاهرية تتوقف متأملاً المشهد وتضطر للنظر في اتجاهين متعاكسين الأول نحو الظاهرية والأخر نحو العدلية الكبرى، وعندما تقف أمام البنائين يذهلك الانسجام بينهما كأنما أراد المصمم أن يؤلف وحدة معمارية يكمل فيها جمال الأولى وروعة الثانية.

وتعتبر المكتبة الظاهرية من الابنية التاريخية التي ما زالت تحتفظ بالكثير من النقوش والكتابات على جدرانها وابوابها ولعل واجهتي الظاهرية من اجمل ما بنى المماليك فهما مشيدتان بالاحجار المنحوتة وفي اعلاهما كوى مستديرة تحيط بها زخارف هندسية. اما المدخل الرئيسي فهو مبني باحجار بيضاء وصفراء .

وإن واجهة المدرسة الظاهرية أجمل من العدلية بل تعتبر أجمل ما بنى المماليك، إذ بني المدخل من الحجارة البيضاء والوردية اللون، وتعلو الباب ثلاثة صفوف عريضة ورد فيها وقفها وأسماء بناتها، وبعد أن تجتاز المدخل يأتي رواق ممر محدد بجدار وصف من الأعمدة يحيط بالفناء الداخلي في القصور الدمشقية القديمة ذي أقواس محمولة على عمودين حجريين كبيرين، وهذا الرواق مستوحى من بناء المسجد الذي يسبق دخوله محطة تمهيدية ينقل فيها المرء من عالم المادة إلى عالم الروح. أما قاعة الضريح للظاهر بيبرس التي أقيمت حولها خزائن الكتب فهي مربعة الشكل وتكسو جدرانها زخارف مرمرية ملونة من الفسيفساء الزجاجية مكا تزدان أقواس الشبابيك بالفسيفساء.

وكانت أول وأكبر مكتبة عرفت في ديار الشام بما حوته من نوادر الكتب والمخطوطات. وتضم المكتبة ثلاث قاعات قاعة الأمير مصطفى الشهابي وقاعة الشيخ طاهر الجزائري وقاعة خليل مردم, كما يوجد بها ثلاث مستودعات:

الأول للمخطوطات: ويقوم في القبة الظاهرية ويضمُ مجموعة ضخمة من المخطوطات من شتى العلوم.
الثاني للمطبوعات: ويضم الكتب المشتراة والمهداة إلى الدار.
الثالث للدوريات: ويضم الصحف والمجلات والنشرات والتقارير العربية والأجنبية.

ويؤم المكتبة الطلاب من المرحلة الإعدادية حتى الجامعية, أما قاعة مردم فهي خاصة بالباحثين والمؤلفين حيث توضع تحت تصرفهم كافة المراجع والمخطوطات والكتب القيمة لإنجاز أبحاثهم. ويبلغ رواد المكتبة في العام الواحد وسطيا حوالي 45 الف طالب علم وتبلغ عدد الكتب المعارة في السنة الواحدة 30 الف كتاب.

كما بلغ عدد الكتب الموجودة في المكتبة الظاهرية 72 الف كتاب وما يقرب من 85 الف مجلة مقسمة الى اصول وفروع حسب علاقتها بذلك الاصل وهذه الاصول عبارة عن ثمانية عشر صنفا تضم 53 فرعا جميعها في الخزائن. أما قسم المخطوطات والحديث للقائمين على المكتبة فقد بلغت محتوياته 13 الف مخطوط قديم ونادر واقدم المخطوطات كتاب مسائل الامام احمد بن خليل المنسوخ في عام 260 هجري وتضم المكتبة كذلك قسما خاصا بالصحف والمجلات وأمهات الكتب والدوريات والمعاجم.

جدير ذكره إن المكتبة الظاهرية تحتوي لمخطوطات ذات قيمة علمية في مختلف الفنون ، مثل كتاب (القانون في الطب) لابن سينا (طبعة عام 1593م)، و(الكليات) لأبي البقاء الكفوي (طبعة عام 1280هـ)، و( تاريخ الدول الإسلامية في المغرب لابن خلدون) (طبع عام 1297هـ) و(لسان العرب) لابن منظور (طبعة عام 1300هـ) و(الناسخ والمنسوخ في كتاب الله) للإمام قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117هـ، وكتاب (المهذب في الكحل المجرب) توجد منه نسخة فريدة في الفاتيكان وأخرى عثر عليها مؤخراً في دمشق في المكتبة الظاهرية و(الكتاب الشامل في الطب) جزء واحد ناقص, ونقلت تلك المخطوطات جميعها وغيرها إلى المكتبة الوطنية الأخت التوأم للظاهرية، والتي تشاطرها المهمة الثقافية السامية سنة 1980 م.

كما تحتوي المكتبة على عدد من المخطوطات الجزائرية والمغاربية والتي يمكن الإشارة إلى بعضها:

-أحمد بن يحيى التلمساني، سكردان السلطان.
-أحمد بن محمد التلمساني المقري، أزهار الرياض في أخبار عياض.
-الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب.
– محي الدين أبو العباس أحمد بن علي القرشي المغربي المعروف بالبوني، كتاب في تعبير الرؤيا.
-أبو زيد عبد الرحمن بن أبي غالب بن عبد الرحمن الجادري المديوني الموقت في مسجد القرويين بفاس، رسالة في علم الرمل.
– محي الدين ابن أبي شكر المغربي، نبذة من كلام الفلاسفة.
-أحمد بن حسين بن علي بن الخطيب، حواشي على رقائق الحقائق في حساب الدرج والدقائق.
-عبد الرحمن أبو القاسم المعروف بابن الخطيب، جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس.
-ابن حزم الأندلسي رسالة في مداواة النفوس.
-إبراهيم بن محمد بن محمد المغربي الأندلسي، تمرين الناقلين في أحوال النيرين.
-أحمد الخفاجي، خبايا الزوايا فيما في الرجال من البقايا.
-محمد الأندلسي، غريب القرآن.
-محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي، ارتشاف الضرب في لسان العرب.
-أحمد بن ميرها القرطبي، المنتفى لأهل التقى.
-عبد المجيد بن عبدون الأندلسي، لجاجة الزهر وفريدة الدهر.

النشأة والتأسيس

إن المباني التي شيدها الأيوبيون والمماليك يتراوح حجمها وفخامتها تبعاً لطبيعة حكم السلطان من حيث استقراره في الحكم، لذلك قامت الظاهرية على دار من أعظم دور دمشق وأكثرها شهرة، وهي تدعى بدار العقيقي لصاحبها أحمد بن الحسن العقيقي المتوفى سنة 378هـ، وعندما حلَّت الأسرة الأيوبية في دمشق سكن فيها نجم الدين أيوب والد السلطان صلاح الدين وأخيه الملك العادل.

وحين دخل صلاح الدين الأيوبي دمشق سنة 569هـ بعد وفاة السلطان نور الدين الزنكي نزل بدار والده، وأثناء أفول الدولة الأيوبية انتقلت هذه الدار إلى الأمير فارس الدين أقطاي، ومن ورثته اشتراها الملك السعيد، وبنى فيها القبة لكي يدفن والده الملك الظاهر، وأمر بجعلها مدرسة يؤمها طلاب العلم من كل الأرجاء، ثم عزل الملك السعيد كما عزل أخوه بعده، وأصبح الحاكم في دولة المماليك السلطان قلاوون، الذي أمر باستمرار البناء في المدرسة، وقد انتهى سنة 680هـ، وفي ربيع الأول من ذلك العام وصلت أرملة الظاهر بيبرس ومعها جثمان ابنها السعيد فدفنته إلى جانب أبيه، من هنا، فإن أغلب المباني التي شيدها الأيوبيون والمماليك وأمراؤهم تضم مقابرهم، كما هو الحال، في المدرسة العادلية الكبرى التي تضم ضريح الملك العادل.

فتحت المكتبة أبوابها لأول مرة يوم الأربعاء 13 صفر سنة 677هـ، وكانت مركزاً مهماً لتدريس الفقه على المذهبين الحنفي والشافعي وألقى فيها الشيخ (رشيد الفاروقي) مدرس الشافعية الدرس الأول في الإيوان الشرقي، بينما ألقى الشيخ الحنفي (صدر الدين سليمان بن أبي العز) الدرس الأول في الإيوان القبلي، وقد درّس في هذه المدرسة منذ القرن السابع إلى القرن الثالث عشر الهجري علماء دين بارزون، من أمثال الأذرعي، والسمرقندي، وأبو اسحق اللوري، والواسطي، وابن الجابي، والفزاري، والناسخ، وابن شهيد وغيرهم.

بدأت المدرسة مرحلة جديدة من تاريخها خلال فترة الحكم العثماني، فقد حوّلت إلى مدرسة ابتدائية حملت اسم: مدرسة الملك الظاهر 1294هـ.
ثم كان القرار التاريخي الهام بتحويلها إلى مكتبة عامة، وذلك من قبل مفتش التعليم في دمشق الشيخ طاهر الجزائري مع الشيخ سليم الحجازي وذلك في سنة 1295هـ – 1877م وبدأ مع زملائه بجمع المخطوطات من الدور الخاصة، والمكتبات المتفرقة.

ومن شدة خوف الشيخ الجزائري على الكتب والمخطوطات النادرة جمع الكتب الوقفية جميعها في المدرسة الظاهرية وبلغ عددها (2453) كتاباً ومخطوطة، وسميت في العهد العثماني بالمكتبة العمومية، وكانت أول وأكبر مكتبة عرفت في ديار الشام بما حوته من نوادر الكتب والمخطوطات.

مكتبة المكتبات

استطاع والي دمشق مدحت باشا الحصول على أمر سلطاني بجمع الكتب من المكتبات الوقفية، وبجهود ومساعي الشيخ طاهر الجزائري تمَّ جمع الكتب من عشر مكتبات:

المكتبة العمرية: وكان مقرها في حي الصالحية وفيها خزانة كتب لا نظير لها ومكانها في المدرسة العمرية التي أنشأها الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامى المقدسي المتوفى سنة (607)هـ، وهي في الأصل خاصة بالحنابلة الذين هاجروا من القدس عام (551)هـ، واستقروا على سفح جبل قاسيون. وبناء على ما ورد في كتاب دمشق بين الماضي والحاضر (محمد بسام العش) جُمع منها ما يقارب 660 مخطوطاً.

مكتبة عبد الله باشا العظم: ومقرها مدرسة عبد الله باشا بن الوزير محمد باشا محافظ الشام التي بناها سنة 1193 هـ بدمشق، فوجد فيها 461 مجلداً.

مكتبة الخياطين: وفيها مجموعة من الكتب وقفها الوزير أسعد باشا العظم وجعلها في مدرسة والده إسماعيل باشا في سوق الخياطين وعدد كتبها التي نقلت إلى الظاهرية 375 مخطوطاً.

مكتبة الملا عثمان الكردي: وكانت موضوعة في المدرسة السليمانية ووجد فيها 312 مخطوطاً.

المكتبة السليمانية: وقفها سليمان باشا بن إبراهيم العظم وجعلها في المدرسة اليمانية قرب باب البريد، فُقد معظمها ولم يبق منها إلا القليل حوالي (260) مخطوطاً نقلت إلى الظاهرية.

المكتبة المرادية: مكتبة كبيرة تابعة للمدرسة المرادية أنشأها الشيخ مراد النقشبندي، نقلت جميعها إلى الظاهرية.

المكتبة السميساطية: وكان مقرها في الخانقاه السميساطية وتقع عند باب الأموي الشمالي المعروف بباب العمارة وعثر فيها على 81 مخطوطاً.

مكتبة بيت الخطابة في الجامع الأموي: وهي مجموعة كتب وقفها صاحبها علي الدفتري حوالي (73) مخطوطاً.

مكتبة الأوقاف: جمعت من خزائن متنوعة ووضعت في ديوان الأوقاف حفاظاً عليها وعددها 64 مخطوطاً وأربعة كتب مطبوعة.

المكتبة السياغوشية: وكان مقرها في مسجد يقع بجادة تسمى القصاعين داخل باب الجابية. بناه حسن باشا الشوربزي بأمر الوزير الأعظم سياغوش باشا، و لم يبق منها إلا أحد عشر مخطوطاً.

كما أن هناك عدداً آخر من المكتبات التي ساهمت في تكوين محتويات الظاهرية، منها مكتبة جامع يلبغا، ومكتبة المدرسة الأحمدية. وفي زمن رؤوف بك والي دمشق أوائل القرن العشرين جمع لها نحو (خمسمائة ليرة ذهبية) وابتاع لها الكتب. كما تلقت الظاهرية العديد من المخطوطات كهدية بلغ عددها (4612) مخطوطاً، أما المطبوعات فبلغ ما أُهدي إلى المكتبة (1206) كتاباً.

وهذا نص قرار مدحت باشا بتأسيس المكتبة الظاهرية:

“لما كانت الكتب الموقوفة والمشروطة لاستفادة العموم قد حصرت بأيدي المتولين وحرمت الناس من مطالعتها صدر الأمر الجليل من ملجأ الولاية، وأعطي قرار من طرف مجلس الإدارة توفيقا للتقرير المتقدم من هؤلاء العاجزين المؤرخ في 15 شباط سنة (1295) على أنه يجري جمع الكتب والرسائل الموقوفة الكائنة تحت أيدي المتولين ووضعها بخزانة مخصوصة عمرت وأنشئت بتربة الملك الظاهر في المحل المخصوص المعمر لأجل ذلك جوار تربة السلطان صلاح الدين لأجل أن تصير المنفعة عمومية، ولا يحرم من الاستفادة والمطالعة التي هي أجل مقاصد الوقف بل لأجلها وقف ويتأسس بذلك مكتبة عمومية”.

“وعندما سمع ناظر المدرسة العمرية بقرار مدحت باشا، انتقى أحاسن كتبها ونقلها إلى داره وأبعد جميع الحمالين من جهة الصالحية، فعندما وصلت اللجنة المكلفة من الوالي لم تجد رجلاً واحداً يحمل الكتب حتى استعانوا بدواب القمامة، ونقلوا ستمائة مجلد خطي ومجموعة كبيرة من الدشت”.

أما الذين أهدوا مكتباتهم إلى الظاهرية، أو أهدى ورثتهم مكتباتهم إليها فهم:

مكتبة عبد الغني القادري 946 كتاباً.
مكتبة محمد طاهر أبو حرب 919 كتاباً.
مكتبة أحمد صدقي كيلاني 578 كتاباً.
مكتبة الدكتور رشاد الجاسم 464 كتاباً.
مكتبة محمد عارف المنير 244 كتاباً.
مكتبة سعيد الخاني 190 كتاباً.
المكتبة البريكية 179 كتاباً.
مكتبة رفيق التميمي 173 كتاباً.

لصوص الكتب

وقد بدأت الكتب تتسرب منها بمختلف الوسائل والطرق. وهو ما لخصه الشيخ محمد أحمد دهمان في كتابه “في رحاب دمشق”:
أن جماعة من نجد جاءوا إلى دمشق سنة 1250 هجرية وقدموا لناظر العمرية مالاً على سبيل الرشوة، فساعدهم على سرقة أربعة أحمال من الجمال من كتب المدرسة نقلوها ليلاً إلى دار أحد الحنابلة في دمشق، فصادر نصفها لنفسه وذهب الآخرون بالباقي، ولا يزال بعضها إلى اليوم وعليه وقف العمرية.

ومما يروى أن الوراق المصري الشهير محمد أمين الخانجي، كان أحد الذين تولوا شراء مخطوطات المدرسة العمرية من نظّارها وبعض لصوص المخطوطات في بداية هذا القرن، وقد قام الخانجي ببيعها للعلماء ولدور الكتب في الشرق والغرب، ويستطيع الباحث أن يعثر اليوم على أعداد كبيرة من هذه المخطوطات في كل من دار الكتب المصرية، ومكتبة الدولة في برلين، ومكتبة جامعة توبينغن (ألمانيا) ومكتبة شيستر بيتي في دبلن (ايرلندا) .

ويقول الباحث أحمد ايبش الذي عاين عن كثب هذه المخطوطات في مكتبات الدول المختلفة: “مما يؤسف له أن نعتبر انتقال هذه المخطوطات إلى مكتبات أوروبا “من حسن” حظ الباحثين والمخطوطات نفسها، وذلك- يضيف إيبش – لحسن العناية بهذه الأصول النادرة وجودة فهرستها، وسهولة الاطلاع عليها وتصويرها لمن يشاء من الباحثين، الأمر الذي يتعذر إلى حد كبير فيما لو كانت هذه المخطوطات مازالت باقية في بلادنا.

قصة الشيخ الألباني مع الظاهرية

يروي الشيخ العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه ( فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية) فيقول :

( ولم يكن ليخطر ببالي ، وضع مثل هذا الفهرس ، لأنه ليس من اختصاصي ، وليس عندي متسع من الوقت ليساعدني عليه ، ولكن الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه ، فقد ابتليت بمرض خفيف أصاب بصري ، منذ أكثر من اثني عشر عاماً ، فنصحني الطبيب المختص بالراحة وترك القراءة والكتابة والعمل في المهنة ( تصليح الساعات ) مقدار ستة أشهر .
فعملت بنصيحته أول الأمر ، فتركت ذلك كله نحو أسبوعين ، ثم أخذت نفسي تراودني ، وتزين لي أن أعمل شيئاً في هذه العطلة المملة ، عملاً لا ينافي بزعمي نصيحته ، فتذكرت رسالة مخطوطة في المكتبة، اسمها (ذم الملاهي) للحافظ ابن أبي الدنيا ، لم تطبع فيما أعلم يومئذ ، فقلت : ما المانع من أن أكلف من ينسخها لي ؟ وحتى يتم نسخها ، ويأتي وقت مقابلتها بالأصل ، يكون قد مضى زمن لا بأس به من الراحة ، فبإمكاني يومئذ مقابلتها ، وهي لا تستدعي جهداً ينافي الوضع الصحي الذي أنا فيه ، ثم أحققها بعد ذلك على مهل ، وأخرج أحاديثها ، ثم نطبعها ، وكل ذلك على فترات لكي لا أشق على نفسي !

فلما وصل الناسخ إلى منتصف الرسالة ، أبلغني أن فيها نقصاً ، فأمرته بأن يتابع نسخها حتى ينتهي منها ، ثم قابلتها معه على الأصل ، فتأكدت من النقص الذي أشار إليه ، وأقدره بأربع صفحات في ورقة واحدة في منتصف الكراس ، فأخذت أفكر فيها ، وكيف يمكنني العثور عليها ؟ .

والرسالة محفوظة في مجلد من المجلدات الموضوعة في المكتبة تحت عنوان ( مجاميع ) ، وفي كل مجلد منها على الغالب عديد من الرسائل والكتب ، مختلفة الخطوط والمواضيع ، والورق لوناً وقياساً ، فقلت في نفسي ، لعل الورقة الضائعة قد خاطها المجلد سهواً في مجلد آخر ، من هذه المجلدات ! ، فرأيتني مندفعاً بكل رغبة ونشاط باحثاً عنها فيها ، على التسلسل .
ونسيت أو تناسيت نفسي ، والوضع الصحي الذي أنا فيه ! .
فإذا ما تذكرته ، لم أعدم ما أتعلل به ، من مثل القول بأن هذا البحث لا ينافيه ، لأنه لا يصحبه كتابة ولا قراءة مضنية !.

وما كدت أتجاوز بعض المجلدات ، حتى أخذ يسترعي انتباهي عناوين بعض الرسائل والمؤلفات ، لمحدثين مشهورين ، وحفاظ معروفين ، فأقف عندها ، باحثاً لها ، دارساً إياها ، فأتمنى لو أنها تنسخ وتحقق ، ثم تطبع ، ولكني كنت أجدها في غالب الأحيان ناقصة الأطراف والأجزاء ، فأجد الثاني دون الأول مثلاً ، فلم أندفع لتسجيلها عندي ، وتابعت البحث عن الورقة الضائعة ، ولكن عبثاً حتى انتهت مجلدات ( المجاميع ) البالغ عددها ( 152) مجلداً ، بيد أني وجدتني في أثناء المتابعة أخذت أسجل في مسودتي عناوين بعض الكتب التي راقتني ، وشجعني على ذلك ، أنني عثرت في أثناء البحث فيها على بعض النواقص التي كانت من قبل من الصوارف عن التسجيل .
ولما لم أعثر على الورقة في المجلدات المذكورة ، قلت في نفسي : لعلها خيطت خطأ في مجلد من مجلدات الحديث ، والمسجلة في المكتبة تحت عنوان (حديث) !.
فأخذت أقلبها مجلداً مجلداً ، حتى انتهيت منها دون أن أقف عليها ، لكني سجلت عندي ما شاء الله من المؤلفات والرسائل .
وهكذا لم أزل أعلل النفس وأمنيها بالحصول على الورقة ، فأنتقل في البحث عنها بين مجلدات المكتبة ورسائلها من علم إلى آخر ؛ حتى أتيت على جميع المخطوطات المحفوظة في المكتبة ، والبالغ عددها نحو عشرة آلاف (10000) مخطوط ، دون أن أحظها بها ! .( قلت : لعلها أحظى بها ) .
ولكني لم أيأس بعد ، فهناك ما يعرف بـ (الدست) ، وهو عبارة عن مكدسات من الأوراق والكراريس المتنوعة التي لا يعرف أصلها ، فأخذت في البحث فيها بدقة وعناية ، ولكن دون جدوى .
وحينئذ يأست من الورقة ، ولكني نظرت فوجدت أن الله تبارك وتعالى قد فتح لي من ورائها باباً عظيماً من العلم ، طالما كنت غافلاً عنه كغيري ، وهو أن في المكتبة الظاهرية كنوزاً من الكتب والرسائل في مختلف العلوم النافعة التي خلفها لنا أجدادنا رحمهم الله تعالى ، وفيها من نوادر المخطوطات التي قد لا توجد في غيرها من المكتبات العالمية ، مما لم يطبع بعد .

فلما تبين لي ذلك واستحكم في قلبي ، استأنفت دراسة مخطوطات المكتبة كلها من أولها إلى آخرها ، للمرة الثانية ، على ضوء تجربتي السابقة التي سجلت فيها ما انتقيت فقط من الكتب ، فأخذت أسجل الآن كل ما يتعلق بعلم الحديث منها مما يفيدني في تخصصي ؛ لا أترك شاردة ولا واردة ، إلا سجلته ، حتى ولو كانت ورقة واحدة ، ومن كتاب أو جزء مجهول الهوية ! .
وكأن الله تبارك وتعالى كان يعدّني بذلك كله للمرحلة الثالثة والأخيرة ، وهي دراسة هذه الكتب ، دراسة دقيقة ، واستخراج ما فيها من الحديث النبوي مع دراسة أسانيده وطرقه ، وغير ذلك من الفوائد .
فإني كنت أثناء المرحلة الثانية ، ألتقط نتفاً من هذه الفوائد التي أعثر عليها عفواً ، فما كدت أنتهي منها حتى تشبعت بضرورة دراستها كتاباً كتاباً ، وجزءاً جزءاً .

ولذلك فقد شمرت عن ساعد الجد ، واستأنفت الدراسة للمرة الثالثة ، لا أدع صحيفة إلا تصفحتها ، ولا ورقة شاردة إلا قرأتها ، واستخرجت منها ما أعثر عليه من فائدة علمية ، وحديث نبوي شريف ، فتجمع عندي بها نحو أربعين مجلداً ، في كل مجلد نحو أربعمائة ورقة، في كل ورقة حديث واحد ، معزواً إلى جميع المصادر التي وجدتها فيها ، مع أسانيده وطرقه ، ورتبت الأحاديث فيها على حروف المعجم ، ومن هذه المجلدات أغذي كل مؤلفاتي ومشاريعي العلمية ، الأمر الذي يساعدني على التحقيق العلمي ، الذي لا يتيسر لأكثر أهل العلم ، لا سيما في هذا الزمان الذي قنعوا فيه بالرجوع إلى بعض المختصرات في علم الحديث وغيره من المطبوعات ! .

فهذه الثروة الحديثية الضخمة التي توفرت عندي ؛ ما كنت لأحصل عليها لو لم ييسر الله لي هذه الدراسة بحثاً عن الورقة الضائعة !
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات )

المشاركة