“الشارع المستقيم” يروي تاريخ دمشق الفيحاء عبر العصور

492

عمّار أبو عابد

الشارع المستقيم والمعروف حالياً بالسوق الطويل أو سوق مدحت باشا، له تاريخ طويل من العراقة، وتكمن في طبقاته الدفينة حكايات عن دمشق أقدم مدينة مازالت مأهولة في التاريخ، تتحدث عن العهود التي مرت بها منذ ما قبل الإسلام ومروراً بالدولة الأموية وصولاً إلى الحقبة العثمانية وإلى الوقت الحاضر

يبلغ طول السوق الطويل 1570 متراً، ويمتد من باب الجابية شرقاً إلى باب شرقي غرباً، ليقسم المدينة القديمة إلى قسمين شمالي وجنوبي، وكان يبلغ عرضه 26 متراً، خصص وسطه لمرور العربات والحيوانات، واتخذ جانباه شكل رواق مغطى، له سقف مرفوع على أعمدة تعلوها التيجان، بينما انتظمت الحوانيت والأبنية على امتداده، وتفرعت عنه شوارع جانبية قسمت المدينة القديمة إلى رقع شطرنجية.

ويشكل الشارع المستقيم المدخل الذي عبره العرب المسلمون لتحرير دمشق من الرومان، فقد دخل خالد بن الوليد دمشق حرباً من (الباب الشرقي) في آخر الشارع، بينما دخل أبو عبيدة بن الجراح صلحاً من باب الجابية الواقع في أول الشارع، والتقى جناحا الجيش العربي المحرر في منتصف الشارع، أي في منتصف المدينة. وحظي الشارع والحي المحيطان به بمكانة رفيعة في العهود الإسلامية، ففيهما كان قصر الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، وقصور وبيوت الأمراء الأمويين وكبار القوم، وفيهما كانت تقوم إدارات الدولة الأموية. وأطلق عليه في العهد المملوكي اسم “سوق جقمق” نسبة لخان جقمق القائم فيه، إلا أنه سمي في الحقبة العثمانية باسم والي دمشق مدحت باشا، لأن الأخير قام بتوسيعه عام 1878، وعندما تسلم الوالي العثماني ناظم باشا ولاية دمشق، قام بتبديل السقف الخشبي للسوق بغطاء من التوتياء منعاً لنشوب الحرائق وانتقالها إلى بيوت دمشق المجاورة.

الزلزال

يعرف الشارع المستقيم الآن باسم سوق مدحت باشا، وفي حقيقة الأمر، فإن الشارع المستقيم، وبسبب زلازل ضرب المنطقة انخفض عن مستوى الشارع الظاهر حالياً، وهو يقبع تحته بعمق يتراوح بين 5 إلى 10 أمتار، وخلال الحفريات تم اكتشاف العديد من الآثار القديمة بينها قوس النصر الذي تم رفعه وترميمه في منتصف القرن الماضي، وتم اكتشاف أساسات الشارع المستقيم القديم، إضافة إلى كشف أساسات وقواعد سور المدينة القديمة، وذلك من خلال حفر نفق مشاة بجانب باب شرقي، يمكن عن طريق النزول عليه رؤيتها والتعرف إليها.

والشارع الحديث يقسم إلى قسمين: الأول يمتد من باب الجابية غرباً وحتى قوس النصر، وهو مغطى في غالبيته بسقف معدني تم تحديثه مؤخراً، وهو ما يسمى الآن بسوق مدحت باشا، أما الثاني فيمتد من قوس النصر وحتى باب شرقي فيعرف باسم باب شرقي، وهو غير مغطى، ويقول علماء الآثار: إنه عند نقطة التقاء قسمي الشارع، أي في منطقة مئذنة الشحم يقع المكان الذي قامت به دمشق قبل آلاف السنين.

أسواق وبيوت تراثية

يسير سوق مدحت باشا في موازاة سوق الحميدية وتفصل بينهما أسواق صغيرة، كسوق النسوان وسوق القطن وسوق الصوف وسوق الخياطين، وتقوم على جانبي السوق دكاكين تشتهر بالنسيج الشامي المحلي والأقمشة الحريرية والعباءات الصوفية والكوفيات والعقل. كما توجد فيه خانات قديمة متفردة بعمارتها الشرقية العربية، وهي بدورها تضم حوانيت عديدة في داخلها، وقد تم في السنوات الأخيرة إفراغ بعض هذه الخانات وتحويلها إلى فنادق صغيرة، كما يضم السوق بعض الحمامات الأثرية التي لا تزال تستقبل الزبائن.

وعندما ينتهي القسم المغطى من الشارع، يتفرع عنه شمالاً سوق البزورية الشهير بالحلويات والسكاكر وجنوباً سوق الدقاقين، وعلى مسافة أمتار من سوق البزورية يقع قصر العظم الشهير، والذي أصبح متحفاً للتقاليد الشعبية والتراث من عدة عقود. ويعتبر الشارع المستقيم بقسميه متحفاً طبيعياً كبيراً، فهو يضم الكثير من الأماكن والبيوت العربية التراثية التي تعتبر آية في الجمال، ورمزاً لمهارة الحرفيين الدمشقيين في فن العمارة العربية. فهو يضم البيوت الدمشقية العريقة كبيت نظام ودار السباعي ومكتب عنبر، وهي تتميز بعمارتها العربية وباحاتها الفسيحة وقاعاتها ذات الزخارف الجصية والسقوف ذات الرسوم العربية، وقد تم تحويل مكتب عنبر بعد ترميمه إلى قصر للثقافة. كما يجري الحفاظ على البيوت الأخرى وترميمها وتوظيفها في إظهار التراث الدمشقي المعماري وجمالياته.

حكاية القديس بولس

بنى الرومان السوق الطويل في القرن الأول قبل الميلاد لتكون الشارع الرئيسي لمدينة دمشق القديمة والتي كانت تسمى (داماسكس)، وهو الاسم الإنجليزي المتداول حالياً لمدينة دمشق، وأطلق عليه اسم الشارع المستقيم، وكان يحفل بأقواس النصر والأعمدة والتماثيل، وارتبط هذا الشارع التاريخي بحكاية (القديس بولس) الذي حمل المسيحية وبشرّ بها في أوروبا وتحديداً في إيطاليا، حيث أصبح أحد المؤسسين المبشرين بالديانة المسيحية في القارة القديمة.

وورد ذكر الشارع المستقيم في الإنجيل، حيث تقول الرواية المسيحية إن (شاول) جاء ليؤدب المسيحيين في دمشق، لكنه وقبل الوصول إليها، أصيب بالعمى، وأرشدته (الرؤيا)، فسلك الشارع المستقيم إلى بيت (حنانيا) الذي علمه المسيحية، وأصبح اسمه (بولس)، فطارده الرومان، لكنه لجأ إلى (باب كيسان)، وهرب من هناك ليبشر بالمسيحية. وقد أصبح بيت (حنانيا) أقدم كنيسة في العالم تعرف الآن بكنيسة (حنانيا)، كما تحول المكان الذي لجأ إليه بولس إلى كنيسة تعرف باسمه حتى الآن، وقد أصبحت مع كنيسة حنانيا محجاً للمسيحيين من مختلف بلدان العالم، وقد حج البابا الراحل يوحنا بولس الثاني إلى الكنيستين خلال زيارته لدمشق عام 2001، كما يضم الشارع المستقيم بطريركية الروم الأرثودوكس ومعظم الكنائس المسيحية القديمة التي يتخذ منها بطاركة المذاهب المسيحية مقراً لهم.

المشاركة