الحمامات الدمشقية..هل ستبقى أم ستنقرض؟!

623

لمحـــة:
تميزت دمشق بالموقع والمياه، فقد حباها الله تعالى بهاتين النعمتين، وكانت مثال الظل والظليل والماء السلسبيل المتدفق من بردى، وتميزت أيضاً بحمّاماتها منذ القديم التي ذكرت في العديد من الكتب والبحوث التاريخية.. فقد قال المؤرخ ابن عساكر أن هناك 57 حماماً سنة 571 هجري وأصبحت 137 حماماً سنة 726 هجري، ومن أشهر الحمامات الدمشقية حمام النوفرة والصالحية والقيشاني وست الشام والرفاعي وقصر العظم والسلطان ونور الدين الشهيد والملك الظاهر والورد وفتحي والبكري… إلخ، وكانت الحمامات الدمشقية مقسمة حسب الفئات والطبقات الاجتماعية، فعلى سبيل المثال كانت حمامات الميدان مخصصة للفلاحين وأبناء الأحياء الفقيرة وحمام سوق ساروجة مخصصاً لكبار التجار والأعيان والوجهاء وأما حمام الراس اقتصر على الحجاج والحمالين وبعض نزلاء خانات الميدان.
تعتبر الحمامات من أهم المنشآت التي تميزت بها الحضارة الإسلامية ولعبت دوراً اجتماعياً مهماً لفترة قريبة حيث كانت تعتبر من الأماكن المتميزة المشرعة الأبواب من الصباح الباكر حتى المساء للرجال والنساء بحسب الوقت المحدد حيث أتاحت الفرص للقاءات والمناسبات المختلفة وكانت لا تخلو من جو مرح من طرب ومأكل ومشرب، وللحمامات حاجة صحية ونفسية وذلك لأهمية الماء بكافة الطقوس الدينية والصحية والبيئية، ونظام بنائها الهندسي ساهم في الاستشفاء والاسترخاء من التعب والوهن العام وخصوصاً ما يتعلق بالأمراض العظمية.
رأي الأهالي بالحمامات الدمشقية:
يقول أحمد فلاحة (60 عاماً) إنه منذ نعومة أظفاره كان والده يأخذهم كل يوم جمعة وفي الأيام التي تسبق الأعياد إلى الحمام وكان يعرّفهم على أغلب الحمامات الموجودة في دمشق ويوصيهم بأن لا يتركوا هذا التقليد وكان يعتبره طقساً اجتماعياً هاماً؛ إلا إنه لم يستطع أن ينفذ الوصية ولم يعوّدها لأبنائه لانشغاله هو وأبناؤه بأعمالهم من ناحية ومن ناحية أخرى بسبب زيادة تكاليف الذهاب للحمام للشخص الواحد.. أما التاجر عبدالله.س (45 عاماً) فهو مازال مواظباً مع أصدقائه للذهاب للاستحمام بالحمامات الدمشقية ولا يشعر بالراحة والاستجمام إلا هناك رغم وجود ثلاث حمامات ومسبح في منزله، أما الياس جورج (30 عاماً) فقد استهوته الحمامات الدمشقية بعد أن شاهد مسلسلاً تلفزيونياً يتحدث عن البيئة الدمشقية وكان يظن أن هذه الحمامات لم يعد لها وجود في يومنا هذا وهو مداوم منذ أكثر من ست سنوات، وتتنهد أم ناصر( 54 عاماً) لدى سؤالنا عن الحمامات الدمشقية القديمة قائلة (يا سلام كل شيء قديم جميل) وأضافت إنه كان الخيار الوحيد لتوسيع العلاقات الاجتماعية بين النساء والتعارف إضافة للعديد من حالات الزواج آنذاك تمت أثناء الاجتماع والتعارف هناك، ولجميل السيد (37 عاماً) رأي آخر فهو يقول لو تنشأ حمامات مشابهة لنظام بناء الحمامات القديمة في أماكن بعيدة وواسعة والتعريف بها أكثر لأصبحت هذه الحمامات ممتلئة بالزبائن والسياح حيث ستتواجد على الأقل مواقف للسيارات، ويضيف ف. جوهر (44 عاماً) بأنه منذ أربع سنوات لم يعد يذهب للحمامات رغم إنه كان شبه زبون دائم إلا أن غلاء وارتفاع أسعار الدخول للحمامات والمصاريف التي تتبع رسم الدخول هناك (المشروبات وتدخين الأركيلة والطعام أحياناً) أصبح عائقاً وبحسب ما قال صارت أسعار سياحية.
أعمال البيئة الشامية أعادت النور للحمامات:
بعد ظاهرة انتشار الأعمال الدرامية التي تتحدث عن البيئة الشامية القديمة (ليالي الصالحية، الدبور، الخوالي، باب الحارة….. إلخ) عاد النور لهذه المنشآت الأثرية والتاريخية فقد راجعها العديد من أبناء سورية ومن السياح العرب ليروها على أرض الواقع وبقي الحال جيداً حتى ظهور الأزمة الاقتصادية العالمية التي أثرت على السياحة بشكل عام، ويعقب أغلب أصحاب الحمامات أن لهذه الأعمال الدرامية التلفزيونية أثراً كبيراً في التعريف لهذه الطقوس والعادات شبه المنسية.
ما هي العوامل التي تؤثر على الحمامات الدمشقية:
لم يرغب أغلب أصحاب الحمامات بالتصريح الشفاف عن همومهم ولكنهم أجمعوا على العديد من النقاط الهامة فقد تأثروا بظهور العديد من صالات الأفراح التي أصبحت تقيم الأعراس ولم يعد خروج العريس من الحمام قائماً إلا في حالات نادرة، وأيضاً كثرة الأندية والمراكز الصحية التي تتواجد فيها أقسام الساونا والجاكوزي انعكس مباشرة على عملهم وأصبحوا يشعرون بأن مهنتهم ستنقرض وتبقى الأبنية كمعلم سياحي وأثري، وكذلك أثّر عليهم جميعاً غلاء مادة المازوت كونها أساسية لعملهم على مدار 24 ساعة من ناحية ومن ناحية أخرى فقدانها واضطرارهم لشرائها من السوق السوداء بأسعار مرتفعة جداً، ويعتبون على وزارة الثقافة ووزارة الإعلام ووزارة السياحة لدورهم المتواضع والمحدود للتعريف بالحمامات ومدى أهميتها السياحية وبالتالي الاقتصادية وهم يعانون أيضاً من غلاء أجور العاملين في إصلاح وترميم الأبنية القديمة حتى تبقى متينة ومحافظة على شكلها التاريخي الأصيل ويأملون من وزارة الإدارة المحلية زيادة لوحات الدلالة في الشوارع حتى يتمكن الزوار والسياح من الوصول إليهم بسهولة كون أغلبهم في مناطق وأحياء شعبية وحارات صغيرة وضيقة.

المشاركة